ابن قيم الجوزية

291

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

اللهث وهكذا هذا الذي انسلخ من آيات اللّه ، لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا ، وترك اللهف عليها . فهذا يلهث على الدنيا من قلة صبره عنها . وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء . فالكلب من أقل الحيوانات صبرا عن الماء ، وإذا عطش أكل الثرى من العطش ، وإن كان فيه صبر على الجوع . وعلى كل حال فهو أشد الحيوانات لهثا : يلهث قائما ، وقاعدا ، وماشيا ، وواقفا . وذلك لشدة حرصه ، فحرارة الحرص في كبده توجب له دوام اللهث . فهكذا مشبهه : شدة الحرص وحرارة الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهث فإن حملت عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهث ، وإن تركته ولم تعظه فهو يلهث . قال مجاهد : ذلك مثل الذي أوتي الكتاب ولم يعمل به . وقال ابن عباس : إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها . وإن تتركه لم يهتد إلى خير ، كالكلب إن كان رابضا لهث ، وإن طرد لهث . وقال الحسن : هو المنافق لا يثبت على الحق ، دعي أو لم يدع ، وعظ أو لم يوعظ . كالكلب يلهث طردا وتركا . وقال عطاء : ينبح إن حملت عليه أو لم تحمل عليه . وقال أبو محمد بن قتيبة : كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش ، إلا الكلب ، فإنه يلهث في حال الكلال ، وحال الراحة ، وحال الصحة ، وحال المرض والعطش . فضربه اللّه مثلا لمن كذب بآياته ، وقال : إن وعظته فهو ضال ، وإن تركته فهو ضال . كالكلب إن طردته لهث ، وإن تركته على حاله لهث . ونظيره قوله سبحانه : 7 : 193 وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ .